الرئيسية + مقالات وأراء + مقالات + سياسة تبريد الخارج.. هل للداخل علاقة؟

سياسة تبريد الخارج.. هل للداخل علاقة؟

 

فريد أيهم

انفتاح على العراق، رسائل إيجابية إلى طهران، تخلي عن إسقاط الأسد في سوريا، مفاوضات خلف الكواليس لوقف الحرب في اليمن..وكما في المثل الشعبي الخليجي: الثعلب ما يهرول عبث.

دون أدنى شك، إن سلمان وصبيه المتهوّر خسرا رهانات كثيرة في الاقليم، بدءاً من العدوان على اليمن الذي وضعا فيه كل ثقلهما المالي، والإعلامي، والدبلوماسي، والعسكري، على أمل تحقيق أهداف شبه مستحيلة، تجتمع عند: استسلام الشعب اليمني للإرادة السعودية. أرادها سلمان وصبيه حرباً خاطفة فتحولت الى مستنقع، استنزفت موارد البلاد، وأفاد منها الأميركي عبر زيادة وتيرة بيع السلاح، والخدمات الأرضية، والمعلومات الإستخبارية.

وخسر سلمان وابنه في سوريا، وقد راهنا على السلاح والمفاوضات معاً، فأخفقا معاً، وكانا يدفعان الغرب والشرق الى اعتناق عقيدة تخريب سوريا دولة وشعباً وقدرات، فلا تبقي الحرب لها من باقية.

تراجع في الملفين السوري والعراقي
أوفد الملك عبد الله نجله عبد العزيز لبشار الأسد من أجل إقناعه بالتخلي عن إيران في مقابل وقف الحرب واعمار سوريا، فكان الجواب سلبياً، وكرّر محمد بن سلمان المحاولة عبر القيادة السورية، فالتقى ابن سلمان مع رئيس جهاز أمن الدولة السوري اللواء علي مملوك في الرياض، وجدّد الطلب مرة أخرى، وسمع الجواب ذاته.

حرق سلمان وسلفه مليارات الدولارات في فرن الحرب في سوريا، وكانت النتيجة أن سوريا أصابها الدمار ولكن لم تخضع لإرادة الدول الضالعة في الحرب عليها، وعلى رأسها السعودية.. وها نحن ندخل فصلاً جديداً، عنوانه أن مبدأ اسقاط الأسد لم يعد مطروحاً، وهو ما أبلغه عادل الجبير، وزير الخارجية، الذي لم يحفظ تصريحاً عن ضهر قلب مثل: لا مكان للأسد في السلطة، وعليه أن يرحل بالسلم أو بالحرب.

بقي الأسد في موقعه فيما بات مصير الجبير نفسه على كف عفريت، وأبلغ الأخير المعارضة السورية بكل قواها بأن عليها التكيّف مع فكرة بقاء الأسد في السلطة، فتنحيته لم تعد أولوية بالنسبة للرياض.

في العراق، كان المشهد واضحاً مع اقتراب نهاية معركة تحرير الموصل. أدرك سلمان وصبيّه مبكّراً أن عواقب التحرير وخيمة على أمن المملكة، فصحراء الأنبار سوف تكون الممر الطبيعي لآلاف المقاتلين من تنظيم «داعش»، وهي الصحراء التي لا يفصلها عن عرعر شيء، وهذا يفسّر الزيارة العاجلة لرئيس أركان القوات المسلحة السعودية الى بغداد عشية تحرير الموصل. كان القلق السعودي حاضراً من تسلّل المقاتلين الى المملكة. قرّرت الأخيرة الإنفتاح على العراق بعد أن كانت تمانع بعناد المتكّبرين عن مجرد التواصل مع النظام الجديد بعد زوال القديم في إبريل 2003. بطبيعة الحال، فإن مآرب سلمان وصببيه في العراق أكبر من الأمن وأبعد من الاقتصاد، وتصل الى حد اختراق الدولة العراقية في سياق إحداث شق في الصف العراقي وتعطيل مفاعيل العملية السياسية بكاملها.

لم يستطع سلمان قطع اليد العراقية فقرّر تقبيلها، لا على سبيل التودّد الإنساني الخالي من المؤامرات، بل متطلبات الهزيمة، على أمل بعد مرور العاصفة يعود الى سابق تآمره، وهو يفعل الآن بانفتاح مسموم على العراقيين والرهان على تمزيق شملهم وأشياعاً مذهبية وسياسية متنافرة. على أية حال، فإن الرهان على إسقاط النظام في العراق سقط، وأصبح هناك واقع يفرض نفسه بعد تحرير الموصل، وظهور عراق قوي عسكرياً ويعزّز من خياراته السياسية.

أما بالنسبة لإيران، وهي عقدة العقد بالنسبة لسلمان وصبيه، بل ولمن سبقه، فإنها التي حشدت السعودية المال والرجال والغرب والشرق من أجل شن حرب عليها وتقويض مصادر قوتها كافة فإنها تبدو منتصرة، بلسان جمال خاشقجي، الاعلامي المقرّب من القصر والمغضوب عليه هذه الآيام. لم تخف الرياض عداوتها ضد طهران، وحتى طريقة التعبير عن تلك العداوة، بالحرب، وبالدبلوماسية وبالمال والبنون، وبالجاسوسية، وبالطاقة (وكانت حرب النفط في أكتوبر 2014 مصوّبة خصيصاً لإيران وروسيا)، وباسرائيل التي كرّس رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو جزءاً جوهرياً من نشاطه الدبلوماسي للتحريض على إيران، والنتيجة، أن محور إيران فرض معادلته، وألزم خصومه بالتعاطي معه كما هو على الأرض.

طلب سلمان وصبيه من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ووزير داخليته قاسم الأعرجي بالتوسط لدى طهران من أجل إعادة العلاقات. نفي الرياض لتصريحات العبادي والأعرجي لم يغيّر ما كان يجري على الأرض، فقد بدأ الدبلوماسيون من الطرفين جولات استكشاف جهوزية مقرّاتهما الدبلوماسية في البلدين لعودة العاملين في سفارة الرياض في طهران والعكس.

التسامح الواضح مع الحجاج الإيرانيين كان رسالة سعودية لإيران، كذلك تصريح أمير مكة خالد الفيصل: «الإيرانيون إخوتنا في الإسلام، وأتمنى أن يتموا مناسكهم في موسم الحج براحة وسلام، وأن يذكروا السعودية بالخير، فهم لم يواجهوا أي مشاكل خلال الموسم الحالي».

ليس هو التصريح الذي اعتاد الايرانيون والسعوديون على سماعه في السنوات السابقة، الذي ينبىء عن مزاج جديد يسود أجواء العلاقة بين الدولتين. بالتأكيد، إن ركام التوتر بين طهران والرياض لا يمكن زواله بتصريح ولا بخطوة دبلوماسية ناقصة، فنحن أمام تاريخ طويل من عدم الثقة. ولكنها البراغماتية السياسية التي تفرض نفسها على السعودية للتعامل مع طهران، بعد ان بات واضحاً، بأن الولايات المتحدة ليست بالقوة التي يتخيلها سلمان وصبيه، ومع دخول العالم مرحلة جديدة تمهد لولادة نظام متعدّد الاقطاب.

قد لا يكون لفظ «اختيار» صحيحاً حين الحديث عن وقع تبدّل جوهري في مواقف السعودية من الملفّات الخارجية سالفة الذكر. فلو لم يحدث تغيير في الميدان لما تغيّر شيء في الموقف السياسي. وإن هذا التغيّر بعد طول مكابرة يكشف عن وصول الأوضاع لدى الرياض الى نقطة بالغة الخطورة. فلا الوضع الإقتصادي يسمح بالإستمرار في التأزيم، حيث لا أفق حتى الآن لتغيير فارق في أسعار البترول، وهو ما كان يراهن عليه سلمان وصبيه من أجل الخروج من عنق الزجاجة، وبالتالي فهي بحاجة الى تنسيق أكبر مع أطراف أخرى فاعلة في السوق النفطية ومن أبرزها ايران والعراق.

هواجس الداخل واستكمال الانقلاب!
إنسداد الأفق في الحروب على اليمن، وسوريا، وعلى إيران والعراق يجعل السير الى ما لا نهاية مغامرة بالمصير. في حقيقة الأمر، أن سقف التوقعات الذي كان مع وصول ترامب الى البيت الأبيض هبط سريعاً، ولا سيما خيار الحرب على إيران الذي كان محمد بن سلمان على استعداد لأن يضع نصف ثروة البلاد تحت تصرف ترامب كثمن لشن حرب شاملة على إيران. كان ابن سلمان شديد التفاؤل في وقوع مثل هذه الحرب، ولكن اكتشف ومعه والده أن الرئيس الأميركي ليس صانع قرار الحرب وإن خوّله الدستور صلاحيات واسعة، وعلى رأسها استقلالها بقرار الرد على أي هجوم نووي تتعرض له الولايات المتحدة.

ما تسبّب في إحباط سلمان وصبيه هو الموقف الأميركي الواهن في الأزمة الخليجية، فبعد أن أطلق ترامب تصريحات مشجّعة في البداية ضد قطر وتحميلها مسؤولية تمويل الإرهاب، عاد وخفّف من حدّة التصريحات ومعه مسؤولون كبار في إدارته مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون. وبدلاً من تصعيد الضغوطات على الدوحة لإخضاعها للشروط السعودية الإماراتية، أصبحت الإدارة الأميركية منقسمة على نفسها حيال الأزمة الخليجية، فيما كانت الدبلوماسية القطرية تنشط لناحية تعطيل مفاعيل الضغوطات السعودية الاماراتية، وقد نجحت في ذلك الى القدر الذي بدت اجتماعات وزراء خارجية التحالف الرباعي (السعودية، الامارات، مصر، البحرين) فارغة وتدور حول نفسها. في الخلاصات، إن «طبخة السم» السعودية الإماراتية، لم تأكلها قطر، بل أكلها طابخوها.

كسبت الرياض تأييد ترامب في أمور كثيرة، تتعلق بالداخل بدرجة أساسية ولاسيما تجاوز عقبة محمد بن نايف وإيصال محمد بن سلمان الى منصب ولاية العهد تمهيداً لتتويجه ملكاً، وأما في الخارج فإنها لم تربح كثيراً، فلا معركة الحديدة التي راهنت الرياض عليها لتغيير مسار الحرب وقعت، ولا الحرب الشاملة ضد المحور الايراني (سوريا، العراق، ايران، لبنان) أيضاً وقعت.. وكان عليها أن تتدبّر أمرها حتى لا تصاب بخيبة أمل وتخسر ما تبقى من رهان على الدعم الأميركي في ملف العرش.

كل ما يجري في الخارج كان خاضعاً لحسابات داخلية. الوضع بدا بالغ الحساسية بعد تنحية محمد بن نايف عن ولاية العهد وتجريده من كل مناصبه، وبطريقة تخلو من أي حس عائلي أو إنساني.

الآن، بات واضحاً أن ثمة نزوعاً نحو التهدئة مع الخارج، وهذا يعني أمرين: أن الداخل ليس على ما يرام، وأن العلاقة مع الولايات المتحدة ليست أيضاً على ما يرام.

مستوى التوتر في الداخل وإن لم يجر الحديث عنه في الإعلام، مرتفع كما تظهره هذه المرة ليس الحضور الكثيف للجمهور الساخط، بل لغيابه، لأن من غير الممكن الحديث عن رضى جماعي مع بقاء الأوضاع على ما هي عليه، بل الحديث عن مستوى أمني يمنع من افصاح الموطنين عما يجول بداخلهم. هو نفسه المستوى الذي أدّى الى اختفاء مئات كتاب الرأي، ومشايخ غير حكوميين، وناشطين، وهو نفسه المستوى الذي دفع أمثال جمال خاشقجي، الإعلامي السعودي المقرّب من الأمراء، للهجرة الى الولايات المتحدة، كي لا يواجه المصير الذي واجهه الكاتب الجريء طراد العمري، ومشايخ الصحوة مثل محسن العواجي، وناصر العمر، وابراهيم السكران، بل وحتى الذين كانوا يجهرون بالدفاع عن الحكومة مثل خالد الدخيل لم يعد صوته يسمع كما كان في عهد الملك عبد الله.

وبكلمة: هناك اختفاء جماعي في عهد سلمان لم يقتصر على التيار الديني القرّيب من الإخوان المسلمين كما يحاول عبد الرحمن اللاحم تصويره، ولكنه يشمل مئات الإصلاحيين الذين راهنوا على أن يكون سلمان مختلفاً عن سلفه، ولكن جاء بالطامات في عهده، حتى لم يعد ترى صاحب رأي يجهر برأيه، فقد آثروا العزوف عن الشأن العام، بانتظار تبدّل الحال.

الداخل ليس على ما يرام، ومن يقول غير ذلك يقرأ المملكة من بعيد أو ينظر الى سطحها، فما تحتها غليان ينتظر ساعة الصفر. خلف الحدّة في اللهجة والممارسة يكمن مناخ احتقان داخل الطبقات التي كانت تعتقد بأن عجلة الإصلاح لن تتوقف، وإذا بسلمان وصبيه يعملان على إيقاف حركة التاريخ، وتغيير مسارها من خلال إرساء أسس نظام سياسي شمولي يستعير من الامارات نموذج الدولة المتطوّرة عمرانياً، مع إبقاء على نظام حكم استبدادي.

في حقيقة الأمر، أن التجربة في بدايتها لا تبشّر بخير، وإن نقل نموذج دبي كما هو الى المملكة يعني مصادمة المجتمع في قيمه. إن العلمنة التي تحدّث عنها يوسف العتيبة، سفير الامارات في واشنطن، ويراد إقرارها في المملكة والامارات لا فرصة نجاح لها ما لم تكن محمولة على تحوّل سياسي جوهري، لأن نموذج دبي جعل منها شركة وليس دولة، وإن العلاقة معها تنطبق على أشياء كثيرة الا أن تكون العلاقة المفترضة بين مجتمع وسلطة.

إن التهدئة مع الخارج تصبح محاولة هروبية من توتر الداخل لتمرير «رؤية السعودية 2030» بكل الاختلالات فيها، وهذا ما دفع الى نعت محمد بن سلمان بالفاشل، وإن السير الى ما لانهاية في «الرؤية» يعني إحداث انقسام داخلي، وتفجير التناقضات الاجتماعية والثقافية وأيضاً السياسية. وفي غياب إجماع وطني على «الرؤية» كما تعكس ذلك انتقادات الخبراء الاقتصاديين مثل: عبد العزيز الدخيل، حمزة السالم؛ وحتى السياسيين، بمن فيهم المقرّبون من السلطة مثل خالد الدخيل، الذين انتقدوا «الرؤية» من زوايا مختلفة.

سلمان وصبيه يريدان التهدئة مع الخارج، لأن هناك عملاً شاقاً مطلوباً في الداخل، في العائلة المالكة، كما في الاقتصاد، وفي الأمن كما في المؤسسة الدينية، وفي المركز كما في الحدود.. إنها معركة ابن سلمان من أجل العرش.

 

الحجاز

شاركها مع أصدقائك