تحليلاتشهداء الصلاة

ابن نايف بين العقم السياسي والتطرف الطائفي

ما رشح عن اللقاء المتعجل بين وزير الداخلية محمد بن نايف وذوي شهداء التفجير الإجرامي في القديح جاء في أفضل أحواله مخيب لآمال وتوقعات كثير من النخب المحلية، فكثير من الدلالات الغريبة وغير المنطقية لحقت بهذا اللقاء، فواكب حضور وزير الداخلية للمنطقة الشرقية تواجد أمني أشبه ما يكون باستعراض عسكري، ولم يقم بن نايف بزيارة أهالي الشهداء والمصابين في محل عزائهم، ولم يبتغ سماع شكواهم وهمهم، كذلك تنصل من أي مسؤولية أمنية و إعلامية وتعليمية عن الجريمة ، فولي العهد ووزير الداخلية جاء للمنطقة وهو عازم على الخروج منها كما دخلها إلا من مكاسب إعلامية تسطرها صحفه ووسائل أعلامه.

زيارة وزير الداخلية جاءت بعد كلمة الملك سلمان التي خاطب فيها بن نايف وتناول فيها الجريمة الإرهابية التي طالت المصلين في القديح، ولا يستطيع أحد -أي أحد- الادعاء أن الزيارة جاءت في وقتها، فوزير الداخلية المعني الأول بالحدث والمسؤول الأول عنه، شأنه في هذا شأن من يحترم نفسه ومسؤوليته، وكان لزاما حضوره بعد الحدث مباشرة، للوقوف على آثاره ومعالجة تداعياته، لكننا في زمن البرتوكولات وحفلات العلاقات العامة والعهر الإعلامي والإفلاس السياسي، فالدولة غائبة عن المواطن، ومؤسساتها مشغولة بحماية الحاكم وبطانته، ليأتي رده على مواطن مكلوم في أهله ومجتمعه رداً غاية في الصلف والعنجهية حين وضعه ووضع الدولة أمام مسؤوليتها في حماية مواطنيها من التحريض الطائفي والفتنة المذهبية.

القديح ومن قبلها الدالوة كشفت عن اهتراء نسيج الدولة في شكلها الحالي، فالحوادث والفواجع إن عولجت على مختلف الأصعدة والمستويات فإنها سوف تعمل على ربط المكونات المختلفة بالولاء، وإن تم تجاهل المعالجة فإن الضرر قد لا يمكن علاجه مستقبلا، وربما كان من العوامل لخلق معارضة أكثر جذرية وعمقاً والتكلفة ربما لا يستطيع النظام الوفاء بها، ذلك أن من يقف أمام ترميم ورأب الصدع عليه أن يتوقع ويحتمل التغيير الذي ربما يكون جذرياً وشاملاً.

أمام مؤسسة الحكم في السعودية فرصة تاريخية يتم فيها ترتيب البيت الداخلي وصنع هوية وطنية بتنظيم العلاقة بين المكون الشيعي وبقية المكونات الوطنية، ذلك أن المكونات الأخرى ليست المكون السني، فنحن مجتمع أقليات ومكونات مجتمعية متعددة، والأولوية هنا لترتيب العلاقة بين مكونات الجسم السياسي لتستطيع التعايش السلمي فينا بينها.

وليس المطلوب هنا اعترافاً شكليا بالتنوع، كأن يعترف بالمذهب الشيعي ، وإن كان هذا الاعتراف خطوة على طريق طويل، فالمطلوب تشريع أن كل من ينتسب للجسم السياسي “الدولة” لهم الحق في اتباع الطرق القانونية التي يمكنها أن تحقق مصالحهم الخاصة، وتساعدهم على التعبير عن آرائهم وتمايزهم عن غيرهم في هذا النسيج.

فليس من المقبول أن يحتكر قسم من المكون الوطني تمثيل جميع الجسم السياسي، ولا أن يعبر قسم منه عن جميع المكونات الأخرى، فهناك قاعدة ينبغي العمل على خلق التوازن على أساسها، وهي ضمان حقوق الأقليات والعمل على قانون يحمي التنوع في المجتمع، فالدولة بشكلها الحالي تبني أسسها على تذويب كل الاختلافات ونبذ التنوع الثقافي والتعدد المذهبي، وهو ما يساهم في التنافر الاجتماعي ويذكي التطرف والإقصاء، فالتنوع والتعدد ليس ضعفا بل هو المصداق الأول على القوة والتماسك إن أحسنت مؤسسة الحكم على إدارته. غير أن سلوك مؤسسة الحكم وتعاطيها مع المشكلات أولاً وعدم إيمانها بالتنوع ثانيا تساهم بطريقة مباشرة في الدفع بالمكونات المهمشة إلى التمايز عن غيرها وإبراز النزعات إلى المعارضة وما بعد المعارضة.

عبدالعزيز علي
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى