الرئيسية + النشرة + عاشوراء القطيف والأحساء: السلطات السعودية تحاصر إحياء الشعائر.. والأهالي ينتهجون شعار “خُذ حتى ترضى”

عاشوراء القطيف والأحساء: السلطات السعودية تحاصر إحياء الشعائر.. والأهالي ينتهجون شعار “خُذ حتى ترضى”

  • شهداء العوامية.. إلهام عاشوراء القطيف والأحساء
  • قيود السلطة وممنوعاتها تحرم الأهالي من إحياء عاشوراء بأمان
  • تهديدات مزدوجة لـ” لجان الحماية الأهلية”

مرآة الجزيرة ـ سناء ابراهيم

على امتداد السنوات الماضية انتهجت سلطات آل سعود سياسة انتقامية وكيدية ضد أهالي القطيف والأحساء، سياسات وممارسات طائفية يتعرّض لها الشيعة يومياً، إلا أن وتيرتها تتصاعد في عاشوراء، لتفرض حالة تأهب وترقب تدفعهم لحبس الأنفاس بانتظار مرور أيام المحرم بأقل الخسائر الممكنة، إذ أن السلطات الأمنية تلاحق مشاهد عاشوراء بالتضييق والتعتيم والاستفزازات السلطوية, عبر نقاط التقتيش والدوريات المتنقّلة والإهانات الصادرة عن عناصر أجهزة الأمن، والتي تبرر بادعاءات “الحماية” فضلاً عن تشريع القوانين والتعليمات التي تضيق الخناق على المآتم والحسينيات وتطارد المتطوعين بالتهديدات والاعتقال إن لم يستجيبوا لقوائم الممنوعات, وهي قوائم أدرجت سلطات الرياض هذا العام عليها مختلف الممارسات العاشورائية للشيعة كرفع الرايات ونشر السواد وإقامة المضائف.

في كل عام تشهد وحدات التفتيش والحواجز العسكرية المنتشرة على مداخل القطيف ومخارجها حالات التضييق والإهانة المتعمّدة للمواطنين كباراً وصغاراً, رجالاً ونساء، والتي لم يسلم منها حتّى العلماء والخطباء الذين يتنقلون بين بلدات المنطقة، حيث تُخضعهم عناصر القوى الأمنية لعمليات تفتيش استفزازية ومهينة دون اعتبار لمقام العلماء والخطباء ومكانتهم الدينية، ولا يوجد بين هذه عناصر أجهزة الأمن, أي فرد من أهالي المنطقة أو المنتمين إلى المذهب الشيعي, حيث تحظر الرياض على الشيعة التوظيف في السلك العسكري والأمني.

وتسود القطيعة النفسية حالة الشك والريبة بين الأهالي وعناصر الأمن, الذين يفترض بهم حماية الأهالي من العمليات الإرهابية وليس ترهيب المواطنين، خاصة مع ما شهدته المنطقة من هجمات إرهابية طالت الحسينيات والمساجد الشيعية في العام 2014 وتتابعت إلى العام 2015، حيث يُعرب الرموز والنشطاء الشيعة في مناسبات مختلفة عن عدم اطمئنانهم لقادة الأجهزة الأمنية ومنتسبيها, بل صرحوا عن شكوكهم بتسهيل السلطات لتلك الهجمات والتغطية على منفذيها.

شهداء العوامية.. إلهام عاشوراء القطيف والأحساء

يحلُّ محرم الحرام هذا العام على أهالي القطيف والأحساء باللون الأسود والأحمر، دماء الشهداء الحاضرون دوماً، والرايات السوداء حزناً على مظلوميتهم، التي تعرضوا لها في أحداث شهدتها العوامية خلال الاجتياح الدامي الذي استمر لأكثر من 100 يوم، تخللته عمليات القتل والتدمير والتهجير والاعتداءات على بيوت الرحمن، فالمساجد والحسينيات الـ16 المُدمّرة في العوامية بسبب الاجتياح العسكري الذي تعرّضت له في 10 مايو 2017، تكشف عن وجه السلطات الطائفي في التعامل مع الأماكن والشعائر الدينية، وتفضح سياسات الاضطهاد الطائفي والتمييز المذهبي الذي يكابد معاناته الشيعة في بلدات القطيف والأحساء.

الحاج محمد المرهون من أهالي القطيف تحدث إلى “مرآة الجزيرة” واصفاً مرارة مشهد هدم القوات العسكرية يوم 5 أغسطس الماضي، لحسينية أم البنين في حيّ الديرة بالعوامية قبيل الإعلان عن انهاء العمليات العدوانية في البلدة، كذلك مشاهد اقتحامات المساجد والرقص على أعتابها من قبل جنود قوات الإجتياح يوم 8 أغسطس 2017، وكيف كانت العبارت الطائفية تتشظّى من أفواه الجنود، لتفرز الحقد المستشري في نفوس منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية.

قيود السلطة وممنوعاتها تحرم الأهالي من إحياء عاشوراء بأمان

يوم الجمعة 22 سبتمبر الذي صادف 1 محرم 1439 هجرية، وفق ما أعلن مجلس الاستهلال في القطيف والدمام وكذلك مجلس الاستهلال في الأحساء، بالتزامن مع استعدادات المنطقة لإحياء مراسم عاشوراء في المساجد والحسينيات والمنازل والمواكب الحسينيية, مواساة للنبي الأكرم وأهل البيت عليهم السلام، غير أن هذه التحضيرات رافقها الكثير من الحذر والترقب إزاء ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع خلال الأيام العشرة القادمة، حيث استبقت السلطات السعودية إقامة مراسم عاشوراء عبر بثّ العديد من التحذيرات وقوائم الممنوعات، بشكل متخفي تارة وعلنية تارة أخرى, فنشرت بين المواطنين الشيعة عشرات البيانات الرسمية أو عبر لجان مقربة من أجهزة الشرطة والمباحث وأمارة القطيف، لترهيب الأهالي ومصادرة حرياتهم العبادية في إحياء مناسباتهم الدينية ومنعهم من أداء الكثير من الأنشطة والبرامج, فضلاً عن تقييد حركة التنقل المعتادة خلال هذه الفترة من كل عام، ولا تخلوا هذه الممارسات من رسائل متعددة يراد إيصالها إلى المجتمع الشيعي في الداخل والخارج.

وفي يوم الأربعاء 20 سبتمبر، تولت ما عرفت بـ”لجنة محرم” إحدى اللجان الأهلية المستحدثة في بلدة العوامية إيصال الرسائل التي وجهها مدير شرطة القطيف إلى الأهالي بخصوص إحياء المراسم، امتازت بلغة التهديد والوعيد والمحاسبة، لتمارس السياسة المستخدمة دوماً من قبل آل سعود. وعبر عدة تعليمات أفصحت عن محاربة إحياء مظاهر المناسبة الدينية، ابتدأتها بتكبيل حرية الرأي والتعبير عبر تقييد الخطباء والرواديد, حيث هددت الشرطة من التطرق الى أي مسألة تتعلق بالشأن العام، وطالبت اللجنة بالتذكير بقانون منع جمع التبرعات معلنة عن حظر وضع الصناديق في الشوارع والمآتم، كما أنها منعت الأهالي من نشر رايات الحزن والسواد في الشوارع والبلدات في القطيف والأحساء، إلا أن المفارقة تمظهرت بأن تعليمات السلطة لم تأتِ عبر تصريح رسمي، وهو ما يبرر أي خطوة قد يتم افتعالها من قبلها أمام الرأي العام العالمي، بأنها لم تصدر أية بيانات رسمية تحرم المواطنين من إقامة شعائرهم.

وبالتزامن مع ما بثته الشرطة عبر “لجنة محرم” خرج محافظ القطيف خالد الصفيان، ليوجه تهديداته إلى الأهالي والقائمين على المآتم الحسينية، وطالبهم بالتواصل مع رجال الشرطة والجهات الأمنية، وفرض على االلجان الأهلية للمواكب والمآتم أن يكون عناصرها ممن تجاوزت أعمارهم الـ18 سنة، محاولاً تشويه سمعة المتطوعين في لجان إحياء المحرم باللمز عبر مطالبته بـ”أفراد اللجان يجب أن يكونوا ممن ليست لهم سوابق أمنية” ما يوحي بأن بين أعضاء اللجان أرباب سوابق وما أشبه, حسب ادّعاءاته.

تهديدات مزدوجة لـ” لجان الحماية الأهلية”

“تحديدِ فترة زمنية لمدة قراءة المجالس الحسينية، والتوقف عن وضع نقاط للتفتيش في الشوارع من قبل لجان الحماية الأهلية” طالب الصفيان، زاعماً أنّ ذلك مخالفةٌ صريحة وانتحال لشخصية رجال الأمن، وفق ادعاءاته، ورفع منسوب تهديداته بوجه اللجان عبر تحذيرهم بإحالتهم إلى النيابة العامة في حال لم ينفّذوا الشروط، هذا الأمر، اعتبره النشطاء في القطيف أنه خطوة استباقية للسلطات لتبرير أية اعتداءات قد تحصل خلال موسم عاشوراء، خاصة أن “اللجان الشعبية” التطوعية تشكلت على خلفية التفجيرات الإرهابية التي طالت مساجد وحسينيات بين 2014 و2015، وتم تجهيز اللجان من أجل حراسة الأماكن الدينية والتجمعات الجماهيرية الخاصة بإحياء المناسبات الدينية الكبرى التي تكون محل استهداف الجماعات التكفيرية.

يوم الأحد 17 سبتمبر، أزالت القوات الأمنية السعودية مضائف بلدة القديح شمال غربي مدينة القطيف، وحوّلت المضائف إلى ركام مبعثر فوق الأرض، بعد العبث بالمحتويات وتدنيس العبارات والشعارات الدينية وتخريبها بحسب ما أظهرت صور من داخل البلدة، وبعد هذا التدمير العسكري، استكمل الصفيان هجومه، ليُحذر من رفع الرايات الحسينية والأعلام في الشوارع وفوق أعمدة الإنارة، متوعداً بالعقاب جميع مَنْ يبادر لإقامة المضائف والتي تعمد الأذرع العسكرية إلى هدمها وتدميرها وتدنيسها دون احترام للاعتبارات الدينية.

الحاج السبعيني “عبدالله محمد الفرج” أوضح بأن موسم عاشوراء لهذا العام يترافق مع مظاهر الحزن الذي لفّ المنطقة ولا سيما بلدة العوامية بسبب ما تعرضت له إثر الاجتياح العسكري الذي انطلق في 10 مايو، وارتقى خلاله 82 شهيداً من مختلف الأعمار بينهم عدد من الأطفال، حيث ارتسمت معالم الحزن والتضحية قبيل “عاشوراء الحسين”، مشيراً إلى أن شعار المحرم هذا العام في القطيف والأحساء “خُذ حتّى ترضى”، جاء تكريماً لشهداء العوامية.

وإلى حيّ كربلاء جنوب المسوّرة يشير الحاج الفرج، مستذكراً تمثيل واقعة الطف في مشهدية واقعية من قبل الأهالي، ويُعرب عن تخوفه من حرمان المواطنين هذا العام من إقامة هذه الشعيرة إثر التضييق الأمني والعسكري المستمر على امتداد العوامية والأحياء المجاورة. ويضيف أن الجميع اليوم، يحبس أنفاسه وسط المضايقات السلطوية المتصاعدة، منتظراً المشهد الذي ستؤول إليه الأوضاع في عاشوراء هذا العام.

تجدر الإشارة أن جدولاً لمواعيد المجالس الحسينية في بلدة العوامية بيّن أن البلدة تحتضن هذا العام 65 مجلساً حسينياً, تتوزع على مختلف الأحياء في البلدة, وتغطي ساعات الليل والنهار, حيث يشارك فيها عشرات المشايخ والخطباء والرواديد من البلدة وخارجها, فيما غابات عن المشهد المضائف ومبادرات توزيع المأكولات والمشروبات, إلى جانب غياب الرايات والأعلام الحسينية في عموم شوارع وبلدات القطيف والأحساء.

شاركها مع أصدقائك