الرئيسية - دراسات وبحوث - «الأمراء الأحرار» وتجربة النضال الوطني

«الأمراء الأحرار» وتجربة النضال الوطني

 

سعد الشريف

يذكر خير الدين الزركلي في كتابه (الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز، دار العلم للملايين، بيروت 1988 ص 345) أن الأحياء من أبناء عبدالعزيز لصلبه، يوم توفي، ستة وثلاثين ولداً، وأحصى أولاده وحفداؤه الذكور والإناث ـ عدا أبناء بناته ـ فبلغوا مائة وستين، وأضيف إليهم بناته فتجاوزوا الثلاثمائة.

كان موت «المؤسس» منذراً بعواقب كيانية، كما تشي تقارير السفارات الأجنبية ووكالة الاستخبارات المركزية في الرياض وجدة في خمسينيات القرن الماضي. لم يشأ الوريث التخلي عن طبائع والده في الحكم، ولذلك أعلن في خطاب عام عن نيّته السير على خطى والده. كانت مجرد لعبة «حفظ الأمانة»، وما بعد ذلك النزعة الشمولية لدى الملك سعود الذي نشأ عليها منذ كان يتولى إمارة الرياض.

فور تسلّمه مقاليد الحكم، ألقى سعود في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1953 بياناً الى الشعب أكّد فيه اقتفاء سيرة والده عبد العزيز «وآراءه ومزاياه المجيدة في إدارة البلاد، وتصريف شؤونها، متبعاً أحكام الدين المبين..الخ». وفي الوقت نفسه، أعلن عن تعيين أخيه فيصل بن عبد العزيز ولياً للعهد.

وعلى مدى شهرين، طاف الملك سعود على عدد من المناطق الرئيسة في المملكة، وكذلك على القبائل، وألقى كلمات عامة، لتأكيد التزامه سيرة والده، وتقديم تعهدات بتحقيق رفاهية المواطنين.

ففي كلمته الى أهل مكة في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، تعهّد سعود بالسير على خطى والده، ووعد بوضع مناهج إصلاحية لجهة تحقيق نهضة شاملة بالبلاد.. والى أهل الرياض وعد بأن ينال كل مواطن حقه في التقدم والازدهار.

وفي خطابه الى أهل المدينة في 4 كانون الأول (ديسمبر) 1935 يقول: «فأمرت وزير ماليتنا بالشروع في بناء قصر لي عندكم، ليتسنى لي في كل عام، بحول الله ومشيئته، زيارة الحرم النبوي، والصلاة فيه، وشد الرحال الممنون إن شاء الله اليه، وأجتمع بكم…».

وفي خطابه الى أهالي المنطقة الشرقية في 22 كانون الثاني (يناير) 1954، بدا الاهتمام منصباً على معالجة المشكلات الاجتماعية والمعيشية «تلمّس سبل الإصلاح لشؤونكم، التي لها أكبر نصيب من عنايتنا وتفكيرنا وجهودنا». ولم يخل خطابه من نبرة تهديد كقوله: «ليجعل كل منكم هدفه الأسمى والأوحد إعلاء كلمة الحق، ورفعة الوطن، وسلامته، ونهضته، وكل من يتخلف عن الجمع، أو يعرقل، أو يفسد بين أفراده، سيلقى منا ما يردّه الى الصواب، وما يكفل للأمة السلامة..».

وفي بيان الى عامة الشعب في 5 آذار (مارس) 1954، وهو يمثل خلاصة زياراته الى المناطق والقرى والقبائل، وعد «بتنفيذ مشاريع عمرانية وثقافية وصحية وزراعية، مما يجلب رغد العيش، والرفاهية في المسكن والملبس، والرقي في الفكر، والتمسك بالعقيدة، والمبادىء الاخلاقية القيمة».

وفي أول جلسة لمجلس الوزراء في 12 آذار (مارس) 1954، ألقى سعود خطاباً تحدّث عن والده وقال بأنه «أعاد لنا.. مجد آبائنا وأجدادنا، وأسس دولتنا..».

على أية حال، فإن ما بدت ثوابت في الحكم السعودي، والتزاماً بخط سير واحد، لم يكن سوى إعادة إنتاج لمشروعية مشدودة لتجربة المؤسس. ولم يمنع ذلك الإنفلاق المبكر في العائلة المالكة قبل أن يتمظهر في معسكري سعود ـ فيصل، ومن ورائهما كان يحتشد فريقان متعاكسان من الأمراء.

ليس غياب الوالد ـ المؤسس وحده عامل التشطير الوحيد في العائلة المالكة، فقد برزت عوامل أخرى داخلية وإقليمية وأيضاً دولية. فطبيعة التحوّل في بنية الدولة ومؤسساتها فرضا شكلاً جديداً في الحكم يتجاوز الشخصية الكاريزمية، كثابت ضروري في مرحلة ما، تأسيسية في الغالب، ولكن أيضاً عوامل إجتماعـ ـ اقتصادية، وثقافية، وسياسية ساهمت بصورة فاعلة في تحريك مركز النفوذ السابق، وتوزيعه على عدد كبير من الأفراد.

في البحرين المجاورة التي شهدت انفتاحاً سريعاً على الانماط الحديثة في التعليم والعمل السياسي والنقابي، إلى جانب بغداد وبيروت والقاهرة التي كانت تزخر بنشاطات سياسية وحزبية قومية ويسارية، إضافة الى احتضانها مدارس وجامعات حديثة.. مثّل التعليم الحديث عامل تحوّل اجتماعي وثقافي جوهري، منذ أن تلقى العاملون في صناعة النفط الناشئة تعليماً حديثاً منذ اربعينيات القرن الماضي. وهناك، بدأ العمّال يتعرّفون لأول مرة على العمل الحزبي والنقابي. بطبيعة الحال، فإن العمال الوافدين العرب المصريين والسودانيين والأردنيين من أصول فلسطينية واللبنانيين العاملين في شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) لعبوا هم أيضاً دوراً في نقل الأفكار القومية واليسارية والتجارب الحزبية والنقابية الى المنطقة الشرقية.

 

في العامل الإقليمي، كان صعود التيار القومي الناصري في مصر بعد ثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 وانتشاره عربياً مشرقاً ابتداءً ومغرباً لاحقاً، قد أحدث هزّات شديدة في علائق وأنماط تفكير وعمل الفئات الاجتماعية، وبدأت تتبلور قوى سياسية حديثة تنزع نحو تغيير أنظمة الحكم أو إصلاحها.

اضراب عمال النفط

في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات شهدت المملكة السعودية تحسناً ملحوظاً في الوضع الاقتصادي على وقع ظهور البترول في المنطقة الشرقية، وتظهّرت بوادر أولية لبروز قوى إجتماعية جديدة كرد فعل على حصول الموظفين الاميركيين على امتيازات استثنائية في مقابل العمال المحليين. بدأت حينذاك ارهاصات لتنظيم نقابي يعبّر عن نفسه سرّياً في لقاءات ضمن مناطق العمل والأحياء السكنيّة الخاصة بالعمّال، ما لبثت أن شقّت طريقها الى الفضاء السياسي.

وقد ترجمت نزوعات إصلاحية غير مسبوقة نفسها في مطالب عمالية أخذت تتطوّر تدريجاً، إذ شكّل عمّال أرامكو عام 1952 أول نواة لنقابة عماليّة، وفي العام التالي، 1953، جسّدت أول مفاعليها في إضراب عمالي عام غير مسبوق، وشمل مرافق شركة أرامكو قاطبة.

كان الاضراب العمالي صادماً لرجال الحكم السعودي الذين اعتقدوا بأن فرص الاحتجاج الشعبي قد قوّضت تماماً عقب القضاء على إخوان من طاع الله في معركة السبله، شمالي الجزيرة العربية، في 30 آذار (مارس) عام 1929.
طالب العمال بضمان حق التنظيم النقابي، وزيادة الأجور، ووقف سياسة التمييز العنصري، وتوفير مساكن جديدة للعمال أسوة بمساكن الأميركيين، وكذلك دفع أجور النقل، واعتماد اللغة العربية في المدارس. امتنعت إدارة أرامكو عن تنفيذ المطالب وأيدتها عملياً اللجنة الملكية الخاصة.

شنّت السلطات السعودية حملة اعتقالات واسعة، شملت 21 عضواً من اللجنة العمالية، وخضعوا لأشكال شتى من التعذيب النفسي والجسدي. وبدأت سلسلة تدابير أمنية، حيث نشرت الداخلية عيونها من رجال الأمن والجواسيس وسط العمال لمراقبة التحرّكات الاحتجاجية، ولكن لم تضع التدابير الأمنية نهاية للنشاط العمالي.

وفي 17 تشرين الأول (أكتوبر) 1953 بدأ إضراب شارك فيه زهاء عشرين ألفاً من العمال في أرامكو، وأعرب سكّان المنطقة الشرقية عن تعاطفهم مع المضربين. وفي محاولة لتطويق تداعيات الإضراب قبل تمدّده، أعلنت الأحكام العرفية في مناطق حقول النفط، وأرسلت السلطات السعودية بضعة آلاف من الجنود للتحرك ضد المضربين، ولكنهم لم يتحمسوا لتنفيذ الأوامر، بل أظهروا تعاطفاً، فاضطرت إدارة أرامكو للتفاوض مع اللجنة العمالية التي كان يرأسها عبد العزيز أبو اسنيد والقبول بالكثير من مطالب المضربين وتوفير وسائط النقل ومنحهم علاوات، كما أطلق سراح المعتقلين من أعضاء اللجنة وأعيدوا إلى أعمالهم، ولكن العمال لم يحصلوا على حق التنظيم النقابي.

 

انتهى الإضراب في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1953م. بدا أن الإضراب يعني بداية مرحلة جديدة نوعية في الحركة العمالية والإصلاحية في السعودية. وبالفعل تواصلت في السنوات الثلاث التالية المفاوضات بين ممثلي العمال والشركة، وتولّت لجنة ملكيّة خاصة النظر في النزاع. كان الهدف غير المعلن والمشترك بين السلطات السعودية وشركة أرامكو من وراء المفاوضات يتمثّل في إجهاض السعي لتشكيل حركة عماليّة منظمة.

شكّلت أرامكو ما يسمى بـ (لجان الإتصال)، وكلّفت شكلياً بدراسة مطالب العمال لتفادي النزاعات. وفي واقع الأمر، كانت اللجنة مصمّمة للتعرّف على (العناصر المريبة)، وكشف خيوط وخطوط اتصالات النشطاء من العمّال انتهاءً باعتقالهم، أو فصلهم من الشركة.

عندما وصل الملك سعود إلى الظهران في 9 يوليو 1956م، كان في استقباله مظاهرة شعبية، وسُلّمت إليه مطالب العمال: الاعتراف رسمياً باللجنة العمالية، وزيادة علاوة غلاء المعيشة، زيادة الأجور، تقليص أيام العمل، ووقف التسريح الوظيفي الكيدي، والمساواة بين العمال السعوديين والأمريكان في الحقوق، وإلغاء التمييز العنصري، وإصدار قانون يكفل حقوق عمال أرامكو.

بعد مرور يومين، أي في الحادي عشر من يوليو، أصدر سعود مرسوماً يمنع بموجبه الإضرابات والمظاهرات، ويعرّض المخالف لعقوبة حبس مدة ثلاث سنوات. عقب ذلك، شنّت السلطات الأمنية حملة اعتقال واسعة بناء على قوائم معدّة سلفاً من قبل الأجهزة الأمنية الرسمية والجهاز الأمني الخاص بشركة أرامكو وخضع المعتقلون وأغلبهم من العمّال للتعذيب. وفي 17 يوليو عام 1956م أعلنت اللجنة المركزية للعمال الإضراب العام ورفعت سقف مطالبها فشملت: إقرار دستور للبلاد، ترخيص الأحزاب السياسية، ضمان حق التنظيم النقابي وإلغاء المرسوم الملكي حول حظر الإضرابات، وإيقاف تدخل أرامكو في الشؤون الداخلية للبلاد، وإجلاء القاعدة الأمريكية من الظهران، وأخيراً إطلاق سراح المعتقلين كافة. كان رد السلطات عنيفاً، إذ تمّ قمع الإضراب بقسوة شديدة، واعتقل المئات من المضربين، وخضعوا لتعذيب أشد قسوة من السابق، وصدرت أوامر بسجنهم لمدد طويلة نسبياً، أو نفيهم من البلاد..

التشكّلات السياسية
مهّدت النشاطات العمالية في مطلع الخمسينيات لتشكّل أنوية عمل حزبي منظّم. كانت التيارات اليسارية والقومية والبعثية تزدهر في المشرق العربي على وقع الانقلابات العسكرية التي شهدتها عدد من البلدان، متمثّلة نموذج الضباط الأحرار.
تعد «جبهة الاصلاح الوطني» في طليعة المجموعات التنظيمية التي أفادت من الاضراب العمالي لعام 1953 لناحية بدء حركة سياسية ثورية سريّة. تأسست الجبهة على يد منتسبي القوات المسلحة وموظفين في شركة أرامكو، ممن تلقوا تعليمهم الحديث في الداخل أو في دول عربية مجاورة. تأثرت الجبهة بأدبيات اليسار الثوري العربي، ووضعت لنفسها أهدافاً كبرى منها: تحرير البلاد من الهيمنة الإمبريالية، الاقتصادية على وجه الخصوص، ممثلة بشركة أرامكو وشركات النفط الأميركية الكبرى. كما طالبت بإقرار دستور يكفل حق الانتخاب البرلماني، وحرية النشر والتجمع، وترخيص الأحزاب، والنقابات، والتظاهر والإضراب، وتطوير الصناعة الوطنية والزراعة عبر توفير البذور، والأسمدة، والآلات الزراعية للفلاحين بأسعار منخفض، وإلغاء الرق، وإعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع شركات النفط وتعديلها بما يضمن حق استثمار ثروات البلد بشكل يحقق تقدّمه الإجتماعي والإقتصادي والثقافي، ومكافحة الأمية وتأسيس مدارس للبنات، وتوسيع التعليم العالي والمهني..

 

وتماهت الجبهة في نشاطها السياسي مع النضال التحرري الذي كانت تخوضه الشعوب العربية ضد الاستعمار والإمبريالية بأشكالها السياسية والاقتصادية والثقافية. ومن وحي ميولها الاشتراكية، دعت الجبهة الى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع البلدان العربية وإقامة علاقات اقتصادية مع الدول الاشتراكية، في نقد واضح للسياسة الخارجية السعودية المستندة الى تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، والى شركة أرامكو كتعبير عن النشاط الاقتصادي الرأسمالي. وتفرض المملكة السعودية حظراً شاملاً على التجار السعوديين لناحية إجراء أي تعاملات تجارية مع الكتلة الشرقية (منظومة دول الاتحاد السوفيياتي سابقاً)، وكل الدول المناهضة للولايات المتحدة (كوبا، كوريا الشمالية..الخ).

في 1954 عقدت مجموعة من ذوي الميول القومية والوطنية اليسارية من الرياض والمنطقة الشرقية وهم عبد العزيز بن معمر، واسحق الشيخ يعقوب، ومحمد الهوشان، وعبد العزيز السنيد في فندق مطار الظهران وأتفقوا على تشكيل تنظيم إطلق عليه «جبهة الاصلاح الوطني» يهدف الى إصلاح نظام الجكم في السعودية وتطويره الى نظام ملكي ديمقراطي، وإقرار دستور يكفل الانتخاب البرلماني، ويضمن حرية النشر والتجمع، وإجازة الأحزاب والنقابات وحرية التظاهر والإضراب.

يقول الشيخ عبد الكريم الحمود، الخطيب والمختص بشؤون العمال في جبهة التحرير الوطني العربية (السعودية)، بأن السلطات السعودية أرغمت على إطلاق سراح قادة الحركة العمالية، وإبعاد بعضهم الى الخارج. وبدأت أرامكو بعمل تنسيق لتطويق التحركات. من بين التدابير المعتمد كان تلزيم أرامكو لمقاولين للقيام بمشاريع خاصة بها، وبذلك سرّحت كثيرين من العمال من أعمالهم وسلمت الاعمال للملتزمين أما المراكز الحساسة فأبعدت عنها الموظفين المحليين وأسندت إدارتها الى عناصر أحنبية من الهنود والباكستانيين وغيرهم. وأصبح المواطنون المسرّحون إما موظفين عند المقاولين أو في وظائف حكومية، لغرض إخضاعهم للرقابة، أو عاطلين عن العمل أو معتقلين أو منفيين أما الذين بقوا في أعمالهم فكانو قلة وهكذا سارت الأمور على هذا النحو حتى عام 1956. (أنظر: عدنان العطار، الحركات التحررية في الحجاز ونجد..1901 ـ 1973، طبع خاص (د.ت)، ص ص 56 ـ 57).

في أواخر 1956 زار الملك سعود الظهران فنظّم العمال مظاهرة كبيرة، وسارت باتجاه حي الأمريكان، وعند المدخل تجمّع المتظاهرون حيث يمر موكب الملك في طريقه الى حي الامريكان لتناول الغداء، وبدلاً من أن يهتفوا بحياته، هتفوا:
فليسقط الاستعمار..».

وحملوا يافطة كبيرة كتبوا عليها بالحرف الكبير: “مظلومين.. مظلومين.. نريد حقوقنا..».
كانت صدمة الملك سعود شديدة، كونه لم يألف هكذا مشاهد، ولم يتوقع أن يجرؤ العمال على مثل هذه الخطوة. والسبب في ذلك يعود الى رفض الملك سعود طلب العمال مقابلته والاستماع الى شكاواهم ومظلوميتهم، فصاروا يلاحقونه أينما يذهب، حتى اذا خرج استقل سيارته ولم يتوقف ولم يسأل عن مطالب العمال، برغم من بقائه يومين أو ثلاثة أيام، عاد بعدها الى الرياض.
ما إن غادر سعود المنطقة الشرقية، جاء دور أميرها سعود بن جلوي الذي أمر بشن حملة اعتقالات واسعة شملت المنطقة بأسرها. وتمّت هذه الحملة بالتعاون مع جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية سي آي أيه، والمحسوبين على موظفي أرامكو، حيث تم اعتقال الموظفين الناشطين من مراكز عملهم، ثم توجّهوا إلى بقية المناطق غير العمالية، وشنوا حملة اعتقالات جماعية، شملت حتى أولئك الذين كانت لديهم نشاطات سابقة..

وفي العام نفسه أعلن عن ارسال فرقة عسكرية في الجيش الأميركي في ألمانيا إلى القاعدة العسكرية الأميركية في الظهران شرقي السعودية لحماية الرعايا الأمريكان، الأمر الذي أثار استياء قطاع واسع من الشباب. فرفع 14 شخصاً، نيابة عن نحو 600 شخص، برقية الى الملك سعود يطالبون فيها تكذيب الدولة رسمياً للخبر، أو الغاء تجديد معاهدة الظهران التي تنتهي صلاحيتها في نهاية عام 1956.

استتشاط الملك سعود غضباً من البرقية وشكّل هيئة برئاسة هيئة ديوان المظالم عبد الله بن عبد الرحمن عم الملك سعود، وجاءت الى الدمام، وسبب ذلك أن أمير المنطقة الشرقية سعود بن جلوي، والمعروف بقساوته مع العمال والناشطين، كان غائباً خارج البلاد، وأن سعود كان يعتقد بأن هذه البرقية يقف وراءها جمال عبد الناصر.

 

ثم قاموا باعتقال الموقّعين على البرقية، ولكن بأسلوب مختلف عن السابق، حيث كان الاعتقال هادئاً، وناعماً الى حد ما، ثم ساقوا المجموعة الى بيت معزول في أطراف مدينة الدمام، ووضعوا في كل غرفة إثنين، وعلى كل غرفة حارس يراقب تصرفات المعتقل، ومنع الجميع من الكلام، وكان التفاهم يتم بالكتابة على الكف. وبعد التحقيق وضع كل معتقل في زنزانة انفرادية، وبعد انتهاء التحقيق وضع الجميع في «عنبر» عام. وبعد أيام طلب من الجميع التوقيع على التوبة والندم والتعهد بعدم العودة لمثلها. فاختار المعتقلون التوقيع وأفرج عنهم جميعاً.

تحوّلت احتفالات بخروج المعتقلين الى ما يشبه مؤتمرات سياسية، حيث تبارى الخطباء بإلقاء الخطب السياسية، ما جعل الحكومة تتخذ احتياطات خوفاً من امتدادات وتداعيات هذه الاحتفالات.
وفي 17 أكتوبر 1958 عقد اجتماع عام لأعضاء الجبهة، بعد أنضمام آخرين من بينهم علي العوامي، وتقرر تحويل إسم «جبهة الاصلاح الوطني» الى «جبهة التحرّر الوطني» بما يؤشّر الى تحوّل في استراتيجية عمل المجموعة من إصلاح الى تغيير النظام.

محاولات انقلاب ومؤامرات

كان تأثير عبد الناصر عاصفاً في المملكة ما أثار ذعر العائلة المالكة، وتأكد ذلك بعد محالوة الانقلاب التي قادها عبد الرحمن الشمراني عام 1955 حيث تعرّفت العائلة المالكة على مدى تأثر قادة الانقلاب بثورة يوليو وبشخصية عبد الناصر.
وكان الشمراني من أعضاء «جبهة الاصلاح الوطني» وهو نجدي من قبيلة شمر، شارك في حرب فلسطين عام 1948 وتدرج في الجيش وتابع أخبار الضباط الأحرار في مصر وثورة يوليو، وتأثر بشخص جمال عبد الناصر، والتقى به أثناء زيارته الثانية للسعودية، وفي صيف 1955 خطط مع مجموعة من الضباط لإنقلاب عسكري على طريقة ثورة الضباط الأحرار بمصر، وإسقاط النظام الملكي عن طريق قوات الجيش المرابطة في مدينة الطائف ـ وقد كانت تحت قيادته، الا أن وشاية من أحد الضباط أجهضت الانقلاب، وتم اعتقال ستة من قادته، وقبل تنفيذ حكم الاعدام بهم التقى بهم وزير الدفاع الأسبق ورئيس هييئة البيعة لاحقاً مشعل بن عبد العزيز (ت مايو 2017)، سألهم ساخراً: أيكم جمال عبد الناصر؟ أيكم زعيم الأحرار؟ فأجاب: عبد الرحمن الشمراني: كلنا جمال، وكلكم فاروق»، ثم تم تنفيذ الاعدام في أيلول (سبتمبر) 1955.

 

وفي زيارة سعود الى واشنطن ولقاء ايزنهاور تمّ الاتفاق على خطة التخلّص من عبد الناصر عن طريق تصميم مشروع إسلامي مناهض للقومية العربية. وبعد الاعلان عن الوحدة المصرية السورية في فبراير 1958 شعرت السعودية بخطر يهدد وجودها، فاتصل سعود بوزير الداخلية في حكومة الوحدة عبد الحميد السراج وأغراه بمبلغ عشرين مليون جنيه استرليني لوضع عبوة متفجرة في طائرة الرئيس عبد الناصر، ولكن السراج أفشى مخطط الاغتيال لعبد الناصر الذي قام بدوره بكشفه في خطاب علني بدمشق.
استفحل الفساد في الدولة السعودية في عهد الملك سعود نتيجة النفقات غير المنضبطة على حياته الخاصة، حتى تراجعت القيمة السوقية للريال، حيث أصبح الدولار يعادل 6 ـ7 ريالات في السوق السوداء بينما سعره الرسمي 4 ريالات، وتأخر دفع المستحقات للشركات والمقاولين..

الصراع داخل العائلة المالكة

بدأت الخلافات تتسلل الى وسط العائلة المالكة، وأخذت الضغوطات على الملك سعود للتخلي عن بعض صلاحياته كرئيس لمجلس الوزراء ونقل بعضها لأخيه فيصل، والتنازل عن منصب رئيس المجلس مع بقائه ملكاً..وبالفعل صدر مرسوم ملكي بتعيين فيصل رئيساً لمجلس الوزراء، وشكل فيصل وزارة جديدة ، واحتفظ لنفسه بوزارة المالية لفترة ثم أسندها الى الاقتصادي الحجازي وأحد رواد العمل المؤسسي محمد سرور الصبان، وحاول إدخال مبادىء الاقتصاد الليبرالي متأثرّاً بالنموذج المصري، (أختير أميناً عاماً لرابطة العالم الاسلامي في عهد الملك فيصل).
قام فيصل بإجراء عدد من التغييرات من موقعه كرئيس لمجلس الوزراء فيما كان سعود مجرد ملك يصدر المراسيم التي يطلبها منه مجلس الوزراء.

 

في غضون ذلك، برز تشكيل ما عرف بالأمراء الأحرار وهم الأمير طلال بن عبد العزيز وبعض إخوانه ـ عبد المحسن (ت 1985)، وفواز (ت 2008)، وبدر (ت 2013) وآخرين ـ وتعود بدايات هذا التشكيل الى ارغام الملك سعود أخيه الأمير طلال على الاستقالة من وزارة النقل، الأمر اذي جعله محاولة اقصاء متعمّدة، فاستغل الاحتقان المتعاظم وسط عدد من الأمراء، ووظّفه لقيادة حركة احتجاجية من داخل العائلة المالكة، فأعلن في العام 1958 تشكيل (شباب نجد) أو (الأمراء الدستوريون) وكان عددهم 9 إضافة الى الأمير طلال، وفيما بعد حين إشتدت المنازله بين الأخوه تناقص العدد من 9 الى 3.

بدأ الامير طلال في ذلك العام يصوغ رؤيته الاصلاحية والتي استغرقت عامين (1958 ـ 1959) كما يكشف عن ذلك في مقدمة كتابه/ الرسالة (رسالة الى مواطن) التي صدرت في العام 1961.
في (رسالة إلى مواطن) الصادرة في سنة 1961 كتب الأمير طلال بن عبد العزيز،
بدأها بمقدمة ذات دلالة:
«أخي المواطن: كان عليّ أن أوجه إليك هذه الرسالة منذ سنوات، ولكني آثرت التريث في أمرها، لأن محاولة حثيثة متتابعة كانت تبذل من جانبنا لحمل المسئولين على التعاون في سبيل تقويم نظام الحكم وإصلاح شأن البلاد. وبالرغم مما بذل في ذلك من جهد ومثابرة، فإن هذه المحاولات قد باءت بالفشل، وتكشفت حقيقة نوايا هؤلاء المسئولين، ومدى إصرارهم على تناسي أصول ديننا الحنيف في الشورى والعدل، وتجاهل سنّة التطور، ومخالفة منطق العصر في حكم الشعوب».
وأعقب ذلك دعوة للتآزر بين الأمراء الدستوريين والمواطنين لخوض معركة سافرة ضد ما أسماه «الجمود والتخلف العنيد» وصولاً الى «اختيار نظام الحكم الصالح».

وبرّر دعوته الإصلاحية بأن النظام السائد لا يتماشى مع «عصر الحرية والعدل والمساواة» والذي «لا مكان فيه لسيد يستبد ومسود يُستعبد». ولفت الى انغماس «البعض منا في الترف وملاذ الحياة، في حين نزل الأكثرون إلى أدنى مستويات العيش، وذاقوا ذلّ الحاجة ومرارة الحرمان».

 

وتخلى طلال في خطابه للمواطنين عن نعت الأمير، وقال بأن ما أفرحه برواج الأفكار الا صلاحية التي تروج بين المواطنين أن»الأفكار والمشاعر ذاتها تملأ عقول وقلوب نفر من إخوانك المواطنين من آل سعود وتردّدها قلوب أبناء الشعب وتترقب اللحظة التي تستطيع الجهر بها والعمل لها».

وأخبر طلال عن ان رسالته عبارة عن خلاصة مذاكرة بين أمراء من آل سعود وخلصوا الى «أن بيت الداء إنما يكمن في نظام الحكم عندنا، وفي الأساليب العتيقة التي لا تزال تهيمن على مجتمعنا، ومن ثم آمنا بأن علينا واجباً محتوماً نحو وطننا العزيز، هو أن نعمل على وصل ما انقطع بيننا وبين تراثنا الإسلامي في الشورى والعدل، وأن نفيد مما اهتدى إليه الفكر الإنساني بصدد نظم الحكم في العصر الحديث. ولتحقيق ذلك آثرنا السبل السلمية، وتخيرنا أقربها إلى التفاهم مع السلطة الحاكمة”.
وتوصل الأمراء الى أن أول خطوة هي «إعداد مشروع نظام أساسي لبلدنا، يرسي علاقة الحاكم بالمحكوم على أساس من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية».

ولفت طلال الى أنّه «تمّ إعداد هذا المشروع خلال عامي 1378 و1379هـ (1959 و1960م) ثم تقدمنا به إلى المسئولين. وقد جاء ذكر هذا المشروع في بيان الحكومة الذي أعلن باسم الملك سنة 1380هـ (1961م) حيث قال: (.. إن تأليف هذه الوزارة ما هو إلا خطوة أولى، تتبعها بإذن الله خطوات تحقق ما نصبو إليه من رفاهية شعبنا، والأخذ بيده، والتعاون معه في إدارة الشئون العامة للبلاد طبقاً لتعاليم ديننا وعملاً بتقاليدنا، وسنسعى لوضع نظام أساسي يحدد اختصاصات الجماعات والأفراد، مبيناً حقوقهم وواجباتهم، وذلك طبقاً لما نص عليه ديننا الحنيف وسنة نبينا الكريم).

في مشروع نظام الحكم كما يتصوّره طلال أصول منها: إرادة الحاكمين، أحكام الشريعة، العروبة، حقوق الفرد، الأحكام الخاصة بالحقوق والواجبات، اللامركزية الإدارية باعتماد نظام المناطق والبلديات، الجمع بين الأصول البرلمانية وواقع وظروف الحكم في البلاد، تعيين ثلث أعضاء المجلس الوطني والباقي بالانتخاب، ضوابط العمل البرلماني (شروط العضو المرشح للمجلس الوطني، ولائحة المجلس الداخلية..)، القضاء النزيه وضماناته.

ولكن المشروع لم ير النور، وفشلت كل المحاولات في تمريرها «إذ اصطدمت بإصرار المسئولين على بقاء الأوضاع البالية واستمرار النظم البدائية القائمة. ولقد تبين بوضوح أنهم عندما تظاهروا حيناً بتقبل فكرة الإصلاح وأعلنوها على الملأ في بيان الحكومة، لم يكونوا صادقين في قولهم، أو جادين في وعودهم، بل أرادوا مجرد المراوغة وكسب الوقت». وحمّل طلال من أسماهم «بفئة من المنافقين المتزلفين الذين ابتغوا عرض الحياة الدنيا ثمناً بخساً لتحريف الكلم عن مواضعه.. فلقد أفتوا بالطاعة المطلقة لولي الأمر..ونسوا أن هذه الطاعة مشروطة في الإسلام بألا تكون في معصية، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، كما قال: (لا طاعة في معصية) وقال أيضاً: (فإذا أمرتم بمعصية فلا سمع ولا طاعة). فطاعة ولي الأمر مشروطة وليست مطلقة..».

ولفت طلال الى أن الحاكم وإن كان وارثاً «ينبغي أن يستند إلى بيعة من الشعب.. أي أن يُستفتى الشعب في أمره قبل توليه الحكم، حتى لا يلي أمر الناس إلا من يثقون في صلاحيته. كما يجب أن ينظم أسلوب محكم لضمان إشراف الشعب على الحاكم ومعاونيه بصفة مستمرة، وأن تصل هذه الرقابة إلى حد تمكين الشعب من التخلص من الفساد والمفسدين، ولو كانوا في أعلى مناصب الدولة ومناط السلطان».

وفي مارس عام 1960 طالب الأمير طلال في مقابلة مع صحيفة (الجمهورية) المصرية، بالسير خطوات تدريجية تبدأ بتشكيل جمعية تأسيسة للمملكة تتولى كتابة الدستور يعقبها تأسيس المحكمه العليا، وتالياً لجنة التخطيط العليا. ولكنه شعر بأن سقف مطالبه كان مرتفعاً للغاية، فأبقى السؤال مفتوحاً حول طريقة تطبيق المطالب.

كان ظهور مجموعة من الأمراء عامل ترجيح في الصراع بين سعود وفيصل، فقد أقام سعود صلات بهم ووعد، بصيغ حذرة، بمؤازرتهم، ولكنه تحاشى التعهد بالتزامات محددة، لأنه لم يكن جوهرياً من أنصار الإصلاح، ولأنه كان يخشى التيار المحافظ الممثل بمشايخ الوهابية. وقد ألمح الأمير نواف بن عبدالعزيز (مسؤول الإستخبارات الحالي) في تصريح له بالقاهرة في أيار (مايو) 1960م إلى وجود ميل لإقامة أول جمعية دستورية وإعداد أول دستور للدولة وتأسيس محكمة عليا ولجنة عليا للتخطيط. وكان هذا تعبيراً عن رأي مجموعة الأمراء الشباب الذين كان أبرزهم طلال بن عبدالعزيز، والذين أطلق عليهم لاحقاً لقب (الأمراء الأحراء).

 

كان طلال واحداً من الأخوة الصغار لسعود، وقد كان ترتيبه السادس عشر من حيث العمر، الأمر الذي يجعل دوره في تسنم الملك بعيداً. لذا فقد شرع انطلاقاً من طموحاته الشخصية ـ وهذا ما أثبتته الأحداث فيما بعد ـ يبشر بفكرة الحكم الدستوري أملاً في الاقتراب من السلطة عن طريق الإصلاحات. وفي حزيران (يونيو) 1960م اقترح طلال إقامة نظام ملكي دستوري، فرفض فيصل الاقتراح وأبعد عنه طلال وجماعته. وفي آب (أغسطس) ومطلع أيلول (سبتمبر) عرض الأمراء الشباب مشروع الدستور على الملك، فرفضه باعتباره متطرفاً ولكنه حاول الاحتفاظ بصلاته مع المجموعة.وفي أيار (مايو) 1960 اعتزم فيصل التوجه إلى أوروبا للعلاج وعين الأمير فهد بن عبدالعزيز وكيلاً له، ولكن سعود رفض المصادقة على هذا التعيين.

أيد عدد من الأمراء فيصل بينما وقف عدد آخر، وبينهم طلال ونواف، إلى جانب الملك؛ ولم يجرؤ فيصل على مغادرة البلد. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1960م أخذ سعود يطالب فيصل بإحاطته علماً بجلسات الحكومة، وعدم تعيين أمراء للمناطق والمدن والبلدات وكذلك تعيين القضاة إلا بموافقته، وبأن يمتنع عن نشر الميزانية دون مصادقته عليها، كما طالب بزيادة نفقات البلاط وأن تدفع لأولاده الصغار مخصصاتهم كاملة.

في 18 كانون الأول (ديسمبر) قدم فيصل للملك مسودة مرسوم ملكي حول الميزانية، فرفض الملك توقيعه بحجة أنه لا يحتوي على تفاصيل، وفي مساء اليوم نفسه رفع فيصل رسالة احتجاج إلى الملك اعتبرها الملك سعود طلب استقالة.

وقد غفل الملك سعود عن شبكة التحالفات داخل العائلة المالكة، ولذلك، نظر الى تنظيم «شباب نجد» على أنها من صنيعة الأمير فيصل (وزير الخارجيه حينذاك)، برغم من أنه لم تربطه بالتنظيم أية علاقه، ولكن جنى فيصل ثمرة هواجس سعود، بأن عيّنه رئيساً للوزراء في العام 1958، وهي السنة نفسها الذي تشكل فيه تنظيم شباب نجد.

في ديسمبر 1960 تحالف الأمير طلال وإخواته (بدر، فواز، عبد المحسن)، مع الملك سعود في مقابل الأمير فيصل الذي بدا واضحاً تخطيطه لتنحية سعود واستلام مقاليد الحكم. ولذلك، قرر سعود عزل فيصل من منصبيه كرئيس الوزراء وكوزير للخارجيه، فيما أجرى تعديلاً وزارياً، فعين طلال في وزارة المالية، وأعفاه من وزارة النقل، وقرّبه وتياره الى جانبه.

كان سعود يصدر في التغيير الوزراي عن رغبة في تقويض نفوذ فيصل الذي تنامى داخل الجهاز البيروقراطي، وأيضاً داخل العائلة المالكة، وسعيه لخلق اصطفافات تطيح به كملك وبحلفائه.

وبعد أقل من عامين من التجاذب قام سعود بتجريد فيصل من كل صلاحياته وسلطاته.. في المقابل، عيّن سعود المعارض وعضو جبهة التحرير الوطني عبد العزيز بن ابراهيم بن معمر مستشاراً له في الديوان الملكي، وبدأ يخطط لناحية استعادة السلطة من فيصل.
لاشك، أن ظهور الأمراء الأحرار شكّل عنصراً إضافياً في الصراع على السلطة بين سعود وفيصل، إذ نظر الأخير الى دعوات الأمراء الى الاصلاحات السياسية بأنها استغلال من سعود في صراعه مع فيصل، لا سيما في ظل تقارب سعود والأمراء الأحرار الذي لم يكن تقارباً مبدئياً بتاتاً.

أقام سعود صلات مع الأمراء الدستوريين ووعد، ولكن بحذر، بتحقيق رغباتهم جزئياً، إذ لم يكن من أنصار الاصلاحات السياسية، فضلاً عن رغبته في الاحتفاظ بعلاقة متينة مع التيار الوهابي المحافظ. وقد ألمح الأمير نواف بن عبدالعزيز (وزير المالية في 1961، ورئيس الاستخبارات العامة في الفترة ما بين 2001 ـ 2005) في تصريح له بالقاهرة في أيار (مايو) 1960م إلى وجود ميل لإقامة أول جمعية دستورية، وإعداد أول دستور للدولة، وتأسيس محكمة عليا ولجنة عليا للتخطيط. وكان هذا تعبيراً عن رأي مجموعة الأمراء الشباب من بينهم طلال بن عبدالعزيز، وقد كان ترتيبه السادس عشر من أبناء عبد العزيز من حيث العمر، الأمر الذي يجعل دوره في تسنم الملك بعيداً حينذاك.

لذلك، بدأ وانطلاقاً من طموحاته الشخصية، يدعو للحكم الدستوري، الذي قد يكون قناة توصله الى السلطة بسرعة. وفي حزيران (يونيو) 1960م اقترح طلال إقامة نظام ملكي دستوري، فرفض فيصل الاقتراح وأبعد عنه طلال وجماعته. وفي آب (أغسطس) ومطلع أيلول (سبتمبر) عرض الأمراء الشباب مشروع الدستور على الملك، فرفضه باعتباره متطرفاً ولكنه حاول الاحتفاظ بصلاته مع المجموعة.

وفي أيار (مايو) 1960 عزم فيصل على السفر للعلاج في أوروبا، وعيّن الأمير فهد بن عبدالعزيز وكيلاً له، ولكن سعود رفض المصادقة على هذا التعيين. أيّد عدد من الأمراء فيصل بينما وقف عدد آخر، وبينهم طلال ونواف، إلى جانب الملك، ولم يجرؤ فيصل على مغادرة البلد. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1960م أخذ سعود يطالب فيصل بإحاطته علماً بجلسات الحكومة، وعدم تعيين أمراء للمناطق والمدن والبلدات وكذلك تعيين القضاة إلا بموافقته، والامتناع عن نشر الموازنة العامة دون مصادقته عليها، كما طالب بزيادة نفقات البلاط وأن تدفع لأولاده الصغار مخصصاتهم كاملة. وفي 18 كانون الأول (ديسمبر) قدم فيصل للملك مسودة مرسوم ملكي حول الميزانية العامة، فرفض الملك توقيعه بحجة أنه لا يحتوي على تفاصيل، وفي مساء اليوم نفسه رفع فيصل رسالة احتجاج إلى الملك اعتبرها الملك سعود طلب استقالة.

في حقيقة الأمر، إستغل سعود تقديم فيصل الموازنة العامة للعام المالي 1961، للمصادقة عليها من قبل الملك، ولكن سعود رفض، بناء على مقترح ابن معمر، المصادقة عليها ما أغضب فيصل وقدّم استقالته فلم يتردد سعود في قبولها. وقام سعود على الفور بتشكيل وزارة جديدة أطلق عليها الوزارة الوطنية أو وزارة الشباب كونها ضمّت تلاوين مختلفة من الشعب ومن صغار السن نسبياً..

ضمّت الوزارة: طلال في المالية، وعبد المحسن في الداخلية، وهما من الأمراء الأحرار، وابن الملك محمد بن سعود في الدفاع، وأنشئت وزارة جديدة للنفط والمعادن وأسندت للشيخ عبد الله الطريقي، وحسن نصيف في الصحة، وعبد الله الدباغ في الزراعة، وأبعد فيصل من الخارجية وعين ابراهيم السويل خلفاً له، وعيّن ناصر المنقور (السفير في المملكة المتحدة لاحقاً)، وزير دولة لشؤون مجلس الوزراء، وعين الشيخ حسن المشاري وكيلاً لوزارة المالية للشؤون المالية، ومصطفى حافظ وهبة، وكيلاً لوزارة المالية للشؤون الاقتصادية، وأذيعت مراسم تشكيل الوزارة مساء يوم الاربعاء 22 كانون الأول (ديسبمر) 1960.

الصراع داخل معسكر الملك سعود

تركت التشكيلة الوزارية الجديدة آثاراً إيجابية وعمّت الفرحة وعلّقت آمالاً عريضة على هذا المتغير الجوهري، إذ شعر كثير من الاصلاحيين بأن الخطوة الأولى للتغيير قد بدأت وسوف تمهّد لتغييرات كبرى من بينها إصدار دستور، ومجلس برلماني منتخب، وباقي متطلبات الانتقال الديمقراطي..

خارجياً، نشطت جبهة التحرر الوطني ذات التوجهات اليسارية القومية عبر ممثلها في بيروت عبد العزيز السنيد لنشر مطالب الجبهة في الصحف اللبنانية.

دون شك، إن هذا التغير الدراماتيكي أفضى الى عزل تيار في العائلة المالكة ينزع نحو الاستئثار بالسلطة، ولا سيما فريق المستشارين في الديوان الملكي ورئاسة مجلس الوزراء، مثل رشاد فرعون وجمال الحسيني، وكذلك شركة أرامكو ذات النفوذ الواسع، فشنّوا حملة من خلف الستار على الملك سعود، واتهامه بأنه خضع تحت تأثير الشيوعيين وبات ألعوبة بيدهم، وأنهم من يرسمون سياسته، ويقررون بالنيابة عنه. وكانت جريدة (الحياة) اللبنانية لمالكها كامل مروة تشكّل صدى للآراء الناقدة للملك سعود.

في غمرة احتدام الصراع بين الأجنحة، بدأت تبرز تناقضات من داخل معسكر سعود، وبتأثير من انتقادات المعسكر المضاد، حيث اعترض الامير طلال وزير المالية وعبد الله الطريقي وزير النفط على حضور عبد العزيز بن معمر (عضو جبهة الاصلاح الوطني)، مستشار الملك سعود، جلسات مجلس الوزراء كونه ليس عضواً في مجلس الوزراء. ولأن طلال كان يدرك تماماً قوة شخصية وكفاءة ابن معمر، فقد أصرّ على موقفه، لا سيما وأن طلال بدا مرتاحاً لوضعه في المجلس بفعل نفوذه كعضو في الأسرة المالكة، وكان يعد أقوى شخصية مؤثرة في مجلس الوزراء، وأن وجود ابن معمر سوف يحد من نفوذه، فاضطر الأخير للاستجابة لرغبة طلال وامتنع عن حضور الجلسات.

ابراهيم السويل وزير الخارجية الوحيد من خارج العائلة المالكة

لكن لم يضع ذلك نهاية حاسمة لتناقضات معسكر سعود، اذ واصل معسكر فيصل وحلفائه الحملة على حكومة سعود بأنها معسكر للشيوعيين، وشنّوا حملة مركزة على ابن معمر، وشارك نائب مدير أرامكو، تيري ديوس (J.T. DUCE) في الحملة، وقد التقى إبن معمر وطلب منه أن يكتب نفياً في الصحافة بأنه ليس شيوعياً، وكان يحمل معه رسالة من محمد سرور الصبّان الى الملك سعود يحذّره من ابن معمر كونه شيوعياً. رفض ابن معمر مقترح ديوس، ثم قام السفير الاميركي بالاتصال بالملك سعود وحذره من ابن معمر كونه شيوعياً.

الملك سعود بشخصيته الضعيفة والمتقلب الفكر، خضع تحت تأثير الحملة وقرر إبعاد ابن معمر، فعيّنه سفيراً في سويسرا، وكانت تلك بداية تفكيك التحالف بين سعود وجبهة الاصلاح الوطني. وسعى مصطفى حافظ وهبه لإقناع الامير طلال وعبد الله الطريقي للتوسط لدى الملك سعود لوقف قرار ابعاد ابن معمر، لأن تلك بداية إبعاد كل أفراد المجموعة من الأمراء الأحرار وأعضاء جبهة التحرر الوطني. ولكن باءت المحاولات بالفشل، فالامير طلال وجد في إبعاد ابن معمر فرصة للتفرّد في السيطرة على مجلس الوزراء، كون ابن معمر كان بمثابة الرقيب على تصرفات الوزراء وأدائهم.

لناحية الشيخ عبد الله الطريقي، بنزوعه القومي الناصري، فقد كان معروفاً بنزاهته واخلاصه، برغم انحيازه الى جانب طلال في لحظة ما ووقوفه ضد جبهة الاصلاح الوطني بتوجهها اليساري، فكان يتحفظ في التعاطي مع ذوي الميول اليسارية، ووجد إبعاد ابن معمر ضرورياً من منطلق ايديولوجي محض.

رشاد فرعون المستشار المقرب من فيصل، مع الملك خالد

لابد من وقفة مع سيرة الشيخ عبد الله الطريقي لدوره الوطني والنضالي، فقد كان صاحب فكرة تأميم النفط.. وقد عمل كوزير لشؤون البترول.. ووقف في وجه أعمال النهب للشركات الاميركية ودافع عن حقوق العمال ووضع الأسس الرئيسة: 1/ لاستثمار البترول بشكل علمي على مدى طويل دون تفريط بقطرة منه. 2/ المشاركة الفكرية لاعمال التخطيط والاستثمار بين الشركات والدول العربية. 3/ زيادة عدد الموظفين الوطنيين في الشركات وتخفيض عدد العمال الاجانب.
هذه المبادىء جعلته ممقوتاً من الشركات البترولية وعلى رأسها ارامكو وأدى الى عزله واخراجه من البلاد، واستقر في بيروت وافتتح مكتباً لشؤون البترول. وأصبح مستشاراً لعدد من الدول العربية النفطية كالعراق والجزائر والكويت واليمن الجنوبية والاردن وسورية.

آصدر في بيروت مجلة نفط العرب. وكانت تسمى في السابق البترول والغاز العربي، وصنف عدداً من الكتب من بينها:
ـ البترول سلاح في المعركة.
ـ نقل البترول العربي.
ـ جيولوجية المملكة العربية السعودية، رسالة الماجستير.
وقد منع من دخول لبنان عام 1971 ثم دخل بعد وساطة عدد من الدول العربية.
كان لدى الطريقي تصوّر واضح وعميق لما يفعله ارتهان البترول للشركات الاجنبية في تآكل السيادة وقرار الاستقلال الوطني، ولذلك طالب بما يشبه دورة استثمار نفطي عربية بالكامل تنقيباً وتكريراً وتسويقاً واستثماراً..

الحياة وصاحبها كامل مروة كانت أداة فيصل في صراعه مع سعود

بالعودة الى موقف الطريقي، ومعه الأمير طلال، من مقترح وهبة للتدخّل في قضية نقل ابن معمر الى سويسرا بأن قرار نقله قد يسكت الصحف التي دأبت على مهاجمة المجموعة المحيطة بالملك سعود، كاشفاً عن التجاذب الايديولوجي وتالياً الحزبي. وقد حذّرهما مصطفى وهبة من عواقب موقفهما المتخاذل، وأنه سيذّكرهما بما سوف يجري في المستقبل.

وما لبث أن تفجّر الخلاف بين طلال والملك سعود، حيث كان خلو الجو للأول قد بعث طموحاً راقداً بداخله، فكان يتصرّف كرئيس وزراء، ومن موقعه كوزير للمالية كان يعارض بعض ما يطلبه الملك سعود. وفي غياب ابن معمر الذي كان بمثابة ضابط الايقاع في المجلس، وصل الخلاف بين طلال وسعود ذروته. وفي 12 إيلول (ٍسبتمبر) 1961 قدّم طلال استقالته من وزارة المالية، وتبعه أخوه عبد المحسن من وزارة الداخلية، وبعدهما استقال مصطفى وهبة من وكالة وزارة المالية للشؤون الاقتصادية.

عيّن سعود أخاه نوّاف في المالية، وفيصل بن تركي بن عبد العزيز ـ ابن أخ الملك ـ وزيراً للداخلية. واستمر الوضع كما هو لبضعة شهور، وبدا الوضع هادئاً نسبياً، ولم يغيّر سعود موقفه من فيصل ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السابق، إذ بقي مجرد ولي عهد ولكن دون صلاحيات، فيما كانت الكتلة السديرية التي يتزعمها الأمير فهد ـ الملك لاحقاً ـ وهي الكتلة المعروفة في الأسرة السعودية بكتلة آل فهد تتحيّن فرصة الدخول على خط الخلاف للانقضاض على الحكم.
كان مرض سعود وسفره الى الولايات المتحدّة في 21

المناضل المُختطف ناصر السعيد خطيباً (تشرين الثاني) نوفمبر 1961 وإصدار أمر ملكي بتولي ولي العهد فيصل إدارة شؤون البلاد في غياب الملك، قد أعاد فيصل الى المسرح السياسي. وبعد عودته عن طريق مطار جدة، أطلق سعود تصريحاً يعد فيه بتطوير مجلس الشورى، الأمر الذي تسبب في استياء جناح آل فهد. وصل سعود الى الرياض وعقد أول جلسة لمجلس الوزراء برئاسته، فتلقى خمسة وزراء: الطريقي (النفط)، نصيف (الصحة)، الدبّاع (الزراعة)، السويل (الخارجية)، المنقور (وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء)، مذكرات تهديد موقّعة من 28 أميراً، من بينهم الأشقاء السديريون (فهد، سلطان، نايف، تركي، عبد الرحمن، سلمان، أحمد)، وطالبوهم بالإستقالة فوراً، وإلا فإن حياتهم في خطر. ذهب الوزراء برسائل التهديد الى الملك سعود وتسائلوا عن موقفه منها، وعلّقوا: إننا لسنا خائفين منها إذا ما وقفت أنت الى جانبنا، ووعدتنا بالحماية». وقال لهم بنبرة واهنة «لا تخافوا لن يصيبكم شيء».

إضطر الوزراء الخمسة لتقديم استقالة جماعية، وقبل الملك سعود الاستقالة، ولكنّه لم يسلم السلطة لأخيه فيصل، كما كان يطالب حلفاؤه، بل شكّل وزارة جديدة برئاسته وعين فيصل بن تركي وزيراً للداخلية، وحسن مشاري وزيراً للزراعة ووزراء آخرين، وأعاد فيصل الى وزارة الخارجية.

في غضون ذلك، اندلعت ثورة اليمن في 26 أيلول (سبتمبر) عام 1962، والتي أطاحت حكم آل حميد الدين، وأعلن عبد الناصر تأييد الثورة اليمنية، وحين اكتشفت السعودية عدم موت الأمام البدر كما أشاع الثوار، أرسلت قوّات الى اليمن لإجهاض الثورة، واتخذت من نجران مركز قيادة لإدارة الثورة المضادة، فاستنجد الثوار بعبد الناصر، فأرسل قوات لانقاذ الثورة وحمايتها، وما لبثت أن تحوّلت الثورة الى حرب طويلة بين القوات المصرية والقوات السعودية، وتدخّلت أطراف أخرى إسرائيلية وبريطانية وأميركية لصالح السعودية لجهة استنزاف الجيش المصري في اليمن.

لم يسكت فيصل على عزله عن منصبه فقام بالتحالف مع أخوته السديريين ( أولاد حصه بنت أحمد السديري منهم الملك فهد والملك سلمان الحالي) ورتبوا خطه في العام 1962 لعزل الملك سعود عن مسانديه وجعله يتخذ بنفسه قرار طرد طلال وجماعته عن مناصبهم.

 

 

الحجاز

 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك