الرئيسية + أخرى + شهداء الصلاة + عملية القديح.. من المسؤول؟
الكاتب/ محمد الصادق

عملية القديح.. من المسؤول؟

ليست المرة الأولى، التي يستهدف فيها “داعش” مساجد وحسينيات الشيعة في السعودية، ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة، بحسب التهديدات، التي بثها التنظيم، في بيانه المتعلق بالجريمة على الأقل، ما دام التنظيم باقياً، ويتمدد في الوطن العربي، وما دام المشكل السياسي يُترك بلا معالجة، في انتظار زواله من تلقاء نفسه. تفجير انتحاري استهدف مسجد الإمام علي في قرية القديح، شرق المملكة، بعد ستة أشهر تقريباً من عملية مشابهة، نفذها “داعش” أيضاً في قرية الدالوة في الإحساء.

في أثناء هذا الفاصل الزمني بين العمليتين، يستنتج من يراقب المشهد السعودي عن كثب أن الحادثة الأولى لم تسفر عن أي تغير ملحوظ في السياسة المتبعة في المملكة، تجاه لجم التهديد والوعيد الذي تمارسه التنظيمات المتطرفة داخل الأراضي السعودية، باستثناء القبض على عناصر من “داعش”، أي ما يتعلق بالشق الأمني فقط، والذي يحظى، أصلاً، برعاية خاصة من أعلى المستويات في الدولة، لأنه يمسّ ركناً أساسياً في شرعيتها، خصوصاً وأن الجهاز الحكومي تصرف في الحادث الأول، كما الثاني، جهازاً مسؤولاً عن جميع المواطنين.

سار عمل بقية الأجهزة الإعلامية بعد الجريمة كما قبلها، واستمر خطاب الدعاة وشيوخ الدين، وكأن الحادث لم يحدث. صحيفة تصدر من المنطقة الشرقية، التي تضم أغلبية المواطنين الشيعة، صبت جام غضبها من الحوثيين والنظام الإيراني على شيعة المملكة، في مقالات تنضح طائفية، بحجة أن هؤلاء جميعهم حلفاء لإيران، أو مشكوك في علاقتهم بها، على الرغم من أن كل التيارات والشخصيات الشيعية داخل المملكة، لا تربطهم أية علاقة تاريخية أو حالية بالحوثي، كذلك كان حال بعض الدعاة والناشطين، الذين فعلوا كل ما في وسعهم، في سبيل شيطنة شيعة المملكة، في ما بدا وكأنه تصفية حساب قديم.

من المؤكد أن حرب اليمن أهدت التيارات الإسلامية المتطرفة، وغير المتطرفة (بما أن غالبية أفراد هذه التيارات أصبحوا منخرطين في التعبئة الطائفية، إلى درجة تضاؤل الفروق بين الجهاديين، ومن يُسَمَّون إسلاميين متنورين)، فرصةً لتصفية الحساب مع إيران بشكل عام، والشيعة بشكل خاص، فقد استغلت هذه الجماعات أجواء الحرب والتعبئة الحاصلة داخل المملكة، من أجل تحريف أسباب الحرب، وذلك لربط الشيعة السعوديين بالحوثيين، وإيران التي تبرز بوصفها الممثل الشرعي للشيعة في الكون، في خطاب هذه الجماعات.

بناءً على ذلك، على شيعة المملكة أن يدفعوا ثمن معارك إيران وحلفائها في المنطقة، من دماء أبنائهم وبناتهم، ويسعى هؤلاء الموتورون إلى إلصاق الجريمة النكراء في القطيف بإيران هذه المرة، ويصل الأمر، أحياناً، إلى حد الزعم بأن الأخيرة هي التي تحرك “داعش” في المنطقة، ليس فقط للتنصل من مسؤوليتهم المباشرة عن التأجيج الطائفي ضد المواطنين الشيعة، كما في تغريداتهم اليومية، وخطبهم التي لا تخلو من النبز والعنصرية، بل أيضاً لاعتبار المسألة شيعية – شيعية، ورمي المسؤولية على الشيعة السعوديين، الذين يصورونهم ذراعاً في جسدٍ شيعيٍ واحد تحركه إيران، ويعتبرون الهجوم عليهم مجرد إحماء عضلات في تمارين، تستعد من خلالها هذه القوى المسعورة لخوض منازلة الموت الأخيرة.

“ماذا تقول عن جماعة جاهلة بأمور السياسة وعلم الاجتماع، ولا ترى في هذا الكوكب سوى سنة وشيعة؟”

كل هذه التأويلات والنظريات الجهنمية، حول مسؤولية إيران عن عملية القديح، سببها رغبتهم في أن يقولوا للناس إن إرهاب “داعش” يقابله إرهابٌ شيعي، وذلك لأن العقل المعطوب لهؤلاء يعتبر “داعش” (خطيئة سنية)، يجب البحث لها عن مقابلٍ في الحالة الشيعية، لكي تتساوى كفة الجماعتين في إنجاب الشر، على أقل تقدير، أو ترجح كفة الشر الشيعي في مقابلهم، ليحظوا بجائزة المظلومية الكونية، في حين أن أحداً لم يطرح فكرة ربط “داعش” بالمذهب السُّنِّي، فضلاً عن اتهام السنة كـ”جماعة” بجرائمه، كما يحبذون هم ربط تنظيم، أو جهة سياسية ما، بأفراد طائفتها جميعاً. لكن، ماذا تقول عن جماعة جاهلة بأمور السياسة وعلم الاجتماع، ولا ترى في هذا الكوكب سوى سنة وشيعة، وتتصور أن الفرد، مهما شرّق أو غرّب، يجب أن يكون ملزماً بأفراد مذهبه فرداً فرداً، وإن كان مرتكب الجريمة يعيش في المريخ.

إصرار هذه الجماعة على اتهام إيران يبيّن حجم انخراطها في صراعات الطوائف، لأنها تجنح لاعتبار الشر خاصية للطائفة المقابلة، فكل شر يأتي منها، أما “جماعتنا” فأبرياء لا علاقة لهم بأية جريمة، وكل رد الفعل هذا يدخل في باب الكيدية الطائفية، ولو كانت حساباتهم خارج الإطار الطائفي، لما ترددوا في الإنكار على مجرمٍ سني أو شيعي، طالما أنهم ينطلقون من منظومة قيمية في تقييم الأمور، لا تقيم وزناً للحسابات الطائفية.

باتت السعودية في مرمى نيران “داعش”، ولم يعد هناك بلد بمعزل عن الفوضى القائمة، والكل أصبح مستهدفاً في أمنه، وعليه، الجميع مسؤول عن القيام بواجبه، من أجل منع انتقال كرة النار. وحفلة الاستنكار التي يمارسها هؤلاء، بعد كل جريمة، وربطها بإيران، لا تبرِّئ ساحتهم من الانخراط في الحروب الأهلية العربية، عبر خطابهم الغوغائي، والتحريض على المزيد من الاحتراب، فمتى يعي هؤلاء حقيقة الدور الذي يقومون به؟

محمد الصادق

شاركها مع أصدقائك